النويري
185
نهاية الأرب في فنون الأدب
على صحة الكلام ، والدالّ على الاطلاع ، وكالرّقم في الثوب ، والشّذرة في القلادة والواسطة في العقد ، إذ لا ينبغي للكاتب أن يخلى كلامه من نوع من أنواع المحاسن . ويقرب من هذا النوع التلميح ، وقد تقدّم ذكره في بعض أبواب البديع ، والذي يقع في بعض استعماله في مثل ذلك مثل قول الحريرىّ : وإنّى واللَّه لطالما لقيت الشتاء بكافاته ، وأعددت الأهبة له قبل موافاته . يشير إلى بيتي ابن سكَّرة : جاء الشتاء وعندي من حوائجه وهى مشهورة . فإذا عرف الكاتب هذه العلوم ، وأتى الصناعة من هذه الأبواب تعيّن عليه أمور أخر نذكرها الآن . ذكر ما يتعين على الكاتب استعماله والمحافظة عليه والتمسّك به وما يجوز في الكتابة وما لا يجوز قال إبراهيم بن محمد الشّيبانىّ : فإن احتجت إلى مخاطبة الملوك والوزراء والعلماء والكتّاب والأدباء والخطباء والشعراء وأوساط الناس وسوقتهم ، فخاطب كلَّا على قدر أبّهته وجلالته ، وعلوّه وارتفاعه ، وفطنته وانتباهه ، ولكلّ طبقة من هذه الطَّباق معان ومذاهب يجب عليك أن ترعاها في مراسلتك إيّاهم في كتبك ، وتزن كلامك في مخاطبتهم بميزانه ، وتعطيه قسمته ، وتوفيه نصيبه ، فإنك متى أهملت ذلك وأضعته لم آمن عليك أن تعدل بهم عن طريقهم ، وتسلك بهم غير مسلكهم ، وتجرى شعاع بلاغتك في غير مجراه ، وتنظم جوهر كلامك في غير سلكه ، فلا تعتدّ بالمعنى الجزل ما لم تلبسه لفظا [ لائقا بمن « 1 » كاتبته ، وملامسا لمن راسلته ] ، فإن إلباسك المعنى
--> « 1 » التكملة عن العقد الفريد ج 2 ص 216 ط العثمانية ؛ واستقامة الكلام تقتضى إثباتها وموضعها بالأصل جملة مكررة مع ما سيأتي ، وهى قوله : « مختلفا على قدر المكتوب اليه » .